غرينلاند: حقيقة نوايا ترامب وأسباب ضمها للولايات المتحدة
نستراك - إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب على التأكيد على أن غرينلاند ستصبح جزءاً من الولايات المتحدة بدعوى أنها ضرورة للأمن القومي الأميركي، هو ليس للتعبير عن موقف عابر أو استفزاز إعلامي، بل يضع مجدداً واحدة من أكثر القضايا المرتبطة بالجغرافيا والسياسة حساسية في العالم على الطاولة: القطب الشمالي وهو المسرح الجديد للتنافس الدولي، وحدود إظهار القوة داخل التحالف الغربي نفسه.
في المقابل، جاء الرد من غرينلاند والدنمارك حاسماً وواضحاً. رئيس وزراء غرينلاند فريدريك نيلسن شدّد على رفض أي ضغوط أو تلميحات أو "أوهام ضم" مؤكداً أن الحوار ممكن فقط عبر القنوات الصحيحة وبما يتوافق مع القانون الدولي. أما رئيسة الوزراء الدنماركية مِتّه فريدريكسن فطالبت واشنطن بالكف عن تهديد "حليف تاريخي"، في رسالة تعكس حجم القلق الدانماركي والأوروبي معاً من خطاب ترامب وهو غير مسبوق بين دول حليفة تتشارك في حلف شمال الأطلسي.
المواجهة الكلامية بين الأطراف الثلاثة، وربما تمتد إلى دول أوروبية أخرى، تختصر سؤالاً أكبر: لماذا تُعدّ غرينلاند مهمّة للولايات المتحدة؟ وما الذي يمكنها أن تستفيد منها؟ وهل يمكن أن تذهب الأمور فعلاً إلى حد تغيير السيادة؟ وما هي تداعيات ذلك على أوروبا، وعلى مواقف روسيا والصين؟
القيمة الاستراتيجية لغرينلاند: ما وراء الجليد
غرينلاند ليست مجرد جزيرة شاسعة مغطاة بالجليد، بل مساحة جغرافية تتحكم عملياً بمفاصل حيوية في شمال الأطلسي والمحيط المتجمد الشمالي. موقعها يضعها في قلب ما يُعرف تاريخياً بفجوة المثلث القائم بين غرينلاند وآيسلندا والمملكة المتحدة، وهي ممر بحري وجوي بالغ الحساسية في الحسابات العسكرية، يُستخدم لمراقبة حركة الغواصات والقوى البحرية القادمة من الشمال نحو الأطلسي.
بالنسبة للولايات المتحدة، هذا الموقع يعني شيئاً واحداً أساسياً: خط دفاع متقدم عن القارة الأميركية. فمنذ الحرب الباردة، شكّل الشمال القطبي أحد أخطر مسارات الاقتراب لأي تهديد صاروخي أو نووي محتمل. ورغم انتهاء تلك الحقبة، فإن عودة التوتر مع روسيا، وتطور أنظمة الصواريخ والغواصات، أعادت الاعتبار الكامل لهذه الجغرافيا.
إلى جانب الموقع، تحتضن غرينلاند بنية عسكرية أميركية قائمة منذ عقود، أبرزها القاعدة المعروفة اليوم باسم قاعدة بيتوفيك الفضائية، التي تؤدي دوراً محورياً في أنظمة الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي وتتبع الأجسام في الفضاء. هذه القاعدة ليست تفصيلاً تقنياً، بل هي جزء من منظومة حماية العمق الأميركي، ووجودها وحده كافٍ لشرح سبب الحساسية الأميركية تجاه مستقبل الجزيرة.
طرق بحرية جديدة… واقتصاد المستقبل
التغير المناخي أضاف بعداً جديداً إلى أهمية غرينلاند، وهو ذوبان الجليد في القطب الشمالي، والذي لا يعني فقط كارثة بيئية، بل يفتح في الوقت نفسه طرقاً بحرية محتملة وجديدة قد تعيد رسم خريطة التجارة العالمية وعلى كامل الكرة الأرضية، حيث ستظهر ممرات أقصر بين آسيا وأوروبا، وينخفض الاعتماد على نقاط اختناق تقليدية مثل قناة السويس. هذه كلها عوامل تجعل من القطب الشمالي مسرحاً اقتصادياً واعداً، وغرينلاند، بطبيعة بموقعها القريب من هذه المسارات، يمكن أن تتحول إلى نقطة أساسية للنقل والمواصلات في المستقبل: موانئ، خدمات إنقاذ، اتصالات، ومراقبة بحرية. من يملك النفوذ هناك يمتلك قدرة على التأثير في تجارة الغد، لا في تجارة اليوم فقط.
إلى ذلك، تُعد الجزيرة غنية بموارد معدنية نادرة وثمينة تدخل في صناعات التكنولوجيا المتقدمة والطاقة المتجددة والصناعات العسكرية، في عالم يسعى إلى تقليل الاعتماد على الصين في سلاسل التوريد، ستمثل غرينلاند فرصة استراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها لتأمين مصادر بديلة للمعادن الحيوية.
هل يمكن للدنمارك أن تتنازل عن غرينلاند؟
هنا ننتقل من منطق القوة إلى منطق القانون والسياسة. غرينلاند ليست أرضاً بلا شعب، ولا إقليماً يمكن التصرف به بقرار فوقي يصدر في واشنطن. وضعها القانوني يقوم على نظام حكم ذاتي واسع ضمن مملكة الدنمارك، مع وجود اعتراف صريح بحق شعبها في تقرير المصير وفق القانون الدولي.
عملياً، لا تستطيع الدانمارك قانونياً ولا أخلاقياً أن تنقل السيادة على غرينلاند إلى دولة أخرى من دون إرادة سكان الجزيرة أنفسهم وموافقتهم الصريحة، رغم قلّة عددهم نسبياً. إلا أنهم يشكلون العامل الحاسم في أي خطة مستقبلية. والمواقف الصادرة من حكومة غرينلاند حتى الآن تؤكد أن المزاج العام هناك يميل إلى رفض الضم، مع الانفتاح على التعاون والحوار، لا على تغيير العلم والهوية.
من هنا، يبدو احتمال أن تتنازل الدنمارك عن غرينلاند لصالح الولايات المتحدة ضعيفاً جداً في المستقبل المنظور. فذلك لا يعني فقط خسارة إقليم، بل يفتح سابقة خطيرة داخل حلف الناتو، حيث يُفترض أن العلاقات تقوم على الاحترام المتبادل لسيادة كل دولة، لا على الضغط أو التهديد والضم وإلغاء مفهوم الحدود.
السيناريو الأكثر واقعية: نفوذ بلا ضم
رغم ضعف احتمال الضم، فإن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة ستتخلى عن سعيها لتعزيز موقعها في غرينلاند؛ فالسيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في تعميق النفوذ الأميركي من دون تغيير السيادة، من حيث توسيع التعاون العسكري، وتعزيز الاستثمارات في البنية التحتية، ودعم مشاريع التعدين ضمن الأطر القانونية المحلية، وربما تقديم حوافز اقتصادية جذابة تجعل غرينلاند أقل اعتماداً على الدنمارك وأكثر ارتباطاً بواشنطن.
هذا المسار ينسجم أيضاً مع نقاش داخلي قائم في غرينلاند حول الاستقلال التدريجي وبناء اقتصاد قادر على الاعتماد على الذات، وهو نقاش لا يعني تلقائياً الارتماء "بسهولة" في الحضن الأميركي، لكنه يفتح الباب أمام شراكات متعددة، وجديدة من نوعها.
ماذا لو حصل الضم؟
لو افترضنا جدلاً أن ضمّاً رسمياً حصل، فإن نتائجه ستكون زلزالية داخل حلف الناتو، لأن ذلك سيُطرح سؤال وجودي حول معنى هذا التحالف. وكيف يمكن للدول الصغيرة أن تشعر بالأمان بعد ذلك، إذا كان الحليف الأكبر يلوّح بتغيير الحدود متى شاءت مصالحه الخاصة.
أما أوروبياً، فيبدو في حال الضمّ أن الخلاف سيتحول مع واشنطن من نزاعات تجارية وسياسية إلى خلاف سيادي يمسّ جوهر النظام الدولي وربما يضع حلف الناتو نفسه على المحك ودوى بقائه.
بالنسبة للولايات المتحدة، سيحقق الضم مكاسب استراتيجية مباشرة، لكنه سيحمل كلفة سياسية ومعنوية كبيرة، ويغذي خطاب ازدواجية المعايير، ويقوّض الثقة داخل المعسكر الغربي.
روسيا والصين: قراءة مختلفة للحدث
روسيا ستنظر بحذر كبير وقلق أيضاً إلى الضم، لأن تعاظم السيطرة الأميركية على غرينلاند بوصفه سيشدد الطوق العسكري حولها في الشمال، ويعزز قدرات الإنذار والدفاع الأميركية في مسارات حساسة. مثل هذا التطور سيُستخدم لتبرير زيادة الوجود العسكري الروسي في القطب الشمالي وقد تتصاعد المواجهة الروسية مع الغرب، وستصبح مسألة غرينلاند أكثر خطراً من أوكرانيا.
أما الصين، التي ترى في القطب الشمالي جزءاً من مستقبل التجارة العالمية وتسعى إلى تأمين موطئ قدم اقتصادي هناك، فستعارض سياسياً أي ضم بالقوة، لأنها يمس بمبدأ احترام السيادة الذي تحرص على التمسك به نظرياً. لكنها، في الوقت نفسه، ستتعامل كعادتها ببراغماتية مع أي واقع جديد إذا فُرض، سعياً لحماية مصالحها الاقتصادية والتجارية وعلاقاتها مع الولايات المتحدة.
غرينلاند تحوّلت من جزيرة بعيدة على هامش الخرائط إلى عقدة استراتيجية في صراع القوى الكبرى، وخطاب نوايا الضم الأميركي للجزيرة يعكس إدراكاً أميركياً متزايداً لأهمية القطب الشمالي، لكنه في الوقت نفسه يصطدم بجدار القانون الدولي وحساسية العلاقات داخل التحالف الغربي، ولكن بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وجره من قصره في كاراكاس إلى نيويورك، هل بقي لهذا الجدار أهمية؟؟
الأرجح أن تبقى القضية ورقة ضغط ومساومة، لا مساراً فعلياً لتغيير السيادة في المدى القريب، مع استمرار سباق النفوذ الهادئ وربما الصاخب أحياناً فوق الجليد وتحتَه، حيث قد تحدث المفاجأة دون سابق إنذار.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook